الغزالي
9
المستصفى
الخطاب . وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه فيتضمن جملة من إشارات الألفاظ كقول القائل : أعتق عبدك عني ، فتقول : أعتقت ، فإنه يتضمن حصول الملك للملتمس ولم يتلفظا به ، لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه . وأما الدلالة من حيث معقول اللفظ فهو كقوله ( ص ) : لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه يدل على الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه ، ومنه ينشأ القياس وينجر إلى بيان جميع أحكام القياس . وأقسامه . القطب الرابع : في المستثمر : وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد ، وفيه يتبين صفات المجتهد وصفات المقلد ، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد ، دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه ، والقول في تصويب المجتهدين ، وجملة أحكام الاجتهاد ، فهذه جملة ما ذكر في علم الأصول ، وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب الأربعة . بيان المقدمة ووجه تعلق الأصول بها اعلم أنه لما رجع حد أصول الفقه إلى معرفة أدلة الاحكام ، اشتمل الحد على ثلاثة ألفاظ : المعرفة ، والدليل ، والحكم ، فقالوا : إذا لم يكن بد من معرفة الحكم حتى كان معرفته أحد الأقطاب الأربعة ، فلا بد أيضا من معرفة الدليل ، ومعرفة المعرفة ، أعني العلم ، ثم العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر ، فلا بد من معرفة النظر ، فشرعوا في بيان حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور ، ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السوفسطائية ، وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر ، وإلى جملة من أقسام العلوم وأقسام الأدلة ، وذلك مجاوزة لحد هذا العلم ، وخلط له بالكلام ، وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم ، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة ، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول ، فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الاعراب جملا هي من علم النحو خاصة ، وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر ، كأبي زيد رحمه الله وأتباعه ، على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول ، فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع ، فقد أكثروا فيه ، وعذر المتكلمين في ذكر حد العلم والنظر والدليل في أصول الفقه أظهر من عذرهم في إقامة البرهان على إثباتها مع المنكرين ، لان الحد يثبت في النفس صور هذه الأمور ، ولا أقل من تصورها إذا كان الكلام يتعلق بها ، كما أنه لا أقل من تصور الاجماع والقياس لمن يخوض في الفقه ، وأما معرفة حجية الاجماع وحجية القياس فذلك من خاصية أصول الفقه ، فذكر حجية العلم والنظر على منكريه استجرار الكلام إلى الأصول ، كما أن ذكر حجية الاجماع والقياس وخبر الواحد في الفقه استجرار الأصول إلى الفروع . وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شئ منه ، لان الفطام عن المألوف شديد ، والنفوس عن الغريب نافرة ، لكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية تدرجها من الضروريات إلى النظريات ، على وجه يتبين فيه حقيقة العلم والنظر والدليل وأقسامها وحججها ، تبينا بليغا تخلو عنه مصنفات الكلام .